القائمة الرئيسية

الصفحات

الظل بقلم مني احمد حافظ احتفاليه الاقلام الذهبية

الظل بقلم مني احمد حافظ احتفاليه الاقلام الذهبية 

الظل بقلم مني احمد حافظ احتفاليه الاقلام الذهبية


الظل بقلم مني احمد حافظ احتفاليه الاقلام الذهبية 

الظل بقلم مني احمد حافظ 

احتفاليه الاقلام الذهبية 

جروب المجد للقصص والروايات 

 .الظل.

الظل بقلم مني احمد حافظ احتفاليه الاقلام الذهبية

 

وأخيرًا أسدل الليل ستائره فولجت چَنى إلى غرفتها بعقلٍ شارد تفكر في تلك الأحداث الأخيرة التي طرأت على حياتها فهي لم تنعم بالراحة والهدوء مُنذ حضرت تلك الجَلسة بالمشفى الذي تعمل بها، وتمنت لو كانت تملك آلة زمن تعود بها إلى الماضي فقط لِبضعة أيام لتمنع نفسها من حضور جَلسة تحضير الأرواح التي ظنت أنها مُزحة من زميلٍ لهم لرد اعتباره بعدما نال مِنه البعض سابقًا في غرفة الموتى بالمشفى، ولكنها ومُنذ انتهت الجَلسة أصبح يُخيل إليها أنها باتت مراقبة إلى حد أثار الريبة بنفسها وجعلها تتلفت يمينًا ويسارًا طيلة الوقت، وكيف لا تتلفت بخوف بعدما تناثرت الأقاويل تحكي عن  تلك الحوادث الغريبة التي أصابت البعض، فأحدهم أقسم أنه كاد يتجمد وهو يغتسل رُغم ارتفاع درجة حرارة الماء، وآخر حكى عن مطاردة الأحلام له بات يراها بِصحوه أما ما أجهز عليها هو سماعها لرئيس المشفى يحكي عن إحدى عاملات النظافة التي عُثر على جسدها يابسًا بمنزلها حتى أن فريق الفحص الجنائي ظن أنها مُزحة سخيفة من أحدهم بنحته ملامح العاملة فوق جذع شجرة أجوف ولولا سقوط الجزع ورؤيتهم لخيط الدمِ ينسل منه ما اكتشف رجال البحث الجنائي أنه جسد العاملة أبدًا وإلى اللحظة لم يجد فريق الفحص الجنائي تفسيرًا يوضح ما أصاب العاملة.

أغمضت چَنى عينيها وهي تهز رأسها تطرد تلك الأفكار التي حرمتها النوم عنها فغفلت عن رؤية الرأس القاتمة بشفافية التي نبتت ما بين كتفها الأيسر وعنقها واهتزت معها على نحو هزلي، وحين مدت ذراعيها تتمطى بأجفانٍ ثقلها النوم لم تلحظ الأذرع التي تمطت معها وقد برزت منها مخالب معقوفة!

 

خطت چَنى صوب فراشها فصاحب خطواتها صوت هسيس خافت لم تنتبه إليه في بادئ الأمر لإجهادها، ليتحول إلى زمجرة شرسة أثارت فزعها حين مدت يدها وأطفأت ضوء المصباح فانتفضت وحاولت استراق النظر حولها بعيون متسعة بحثًا عن مصدر الصوت ومدت يدها مُجددًا نحو المصباح وأضاءته وتطلعت حولها، وللمرة الثانية غفلت عن رؤية تحديقه الغاضب بها وجلست بترقب ويدها تمتد إلى الحِرَام تجذبه نحوها وأخفت جسدها بِرُمَّته أسفله لعله يقيها تلك البرودة التي تسللت إلى عِظامها تشعرها وكأنها أصيبت بِشيخوخة مُبكرة، أغمضت چَنى عينيها وهي تلعن مُعِز وجلسته وتلك الطلاسم التي أجبر كل واحد منهم على اختيار رمز منها وكتابته والأغرب كان قراءة ما دون أسفل كل رمز ليفروا مذعورين حين اسودت الشموع البيضاء تلقائيًا واشتعلت بوميض بدا لهم وقتها كَـ ظل غاضب بشراسة.

بعد مرور بضع دقائق بدت لها وكأنها ساعات بدأ النوم يداعب جفونها فأطفأت المصباح حينها تناهىَ إلى سمعِها صوت تنفس متهدج، لم تهتم چَنى في بادئ الأمر ورجحت أنها تتوهم سماعها الصوت لِإرهاقها ولكن مع تكراره كلما بدأ النوم يثقل جفونها لفظت الحِرَام عنها ومدت يدها وأنارت المصباح وصاحت بحنق:

- لعنة الله عليك وعلى طلاسم الأرواح التي ادعيت أنك حررتها يا مُعِز، فمَا ذنبي بمزاحك السمج مع زملائك لتصيبني أنا بتلك الخيالات الجنونية التي أقضت مضجعي؟ الويل لك مني يا مُعز ما أن أراك غدًا صدقني سأنتقم منك إلى الحد الذي سيجعلك لا تستطيعِي النوم لعامٍ كامل، بل أنا سأجعلك تُجن كما فعلت معي الآن.

 

استمع لها بغضب وكاد يزجرها بصراخٍ يصُم آذانها ولكنه عدل عن ذلك ونشب مخلبه المعقوف بساعدها فهبت بجسد مرتعد تتلمس ساعدها بخوف وعينيها تكاد تخرج من محجرها وهي تُحدق بالبقعة الحمراء التي صبغته وارتجف قلبها ذعرًا لسماعها هسيسًا خافتًا فوقفت بمحلها تُصغي السمع بترقب رُغم خوفها ليزداد تعجبها من اختفائه، زفرت چَنى أنفاسها بحنق وهزت رأسها تنفض عنها توهمها وزمت شفتيها الورديتين وغادرت غرفتها متجهة صوب مطبخها تُفكر بأن عليها إعداد كوب حليب كي يهدئ من توترها ويعيد إليها النوم ويبعد عنها أسوأ أفكارها التي أصبحت تطاردها، وعادت لِغرفتها وجلست على طرف فراشها ترتشف الحليب وبعد ثوان تثاءبت فأسرعت بوضع الكوب بجانبها تنوي اقتناص النوم قبل أن يفر عنها وأطفأت الضوء، وما كادت تتمدد حتى سمعت صوت حشرجة مختنقة كأن صاحبها انقطعت أنفاسه الأخيرة فاقشعر بدنها مُبددًا نومها وتمسكت بطرف الحِرام وأخفت وجهها أسفله، ليسود المحيط سكونً غريبًا ست الصعداء وكشفت عن عينيها وبحثت بإمعان في أنحاء الغرفة عن مصدر الصوت وهي تسأل بتلعثم:

- مـــ من هنا؟ أظهر نفسك يا هذا وإلا!

 

وما بين اتهامها لنفسها بالجنون وسخطها مما يحدث معها لزمت چَنى الصمت هُنيهة ثم أعادت سؤالها بحدة تتحدى ذاتها بأن ما يجول بخاطرها محض خيال:

- هيا أجبني وقل لي من أنت؟

 

لعنها سرًا وحاول كتمان تألمه ولكنها لم يستطع التزام الصمت مطولًا فشعور الاختناق ازداد بداخله وإحساسه بأنه ينازع الحياة اشتد فأردف وهو يواري غضبه منها:

- إنه أنا المجني عليه من ظُلمة غرفتك ومن صوت لَعناتك التي باتت سهامًا تكاد تُميتني لهذا أرجوكِ لا تطفئي الضوء فأنا أخشى الظلام.

 

شحب وجهها وحاكى بشحوبه الأموات وانتفضت من مكانها تشهق رعبًا فهي لم تتخيل قط أن يكون بغرفتها غريب، وبدأ عقلها يُخيل إليها أن من أجابها هو أحد سفاحي الليل تسلل إلى منزلها وتوارى لينال منها ولكنها سرعان ما نبذت أفكارها ونحتها بعيدًا وأصغت مجددًا، فانتبهت إلى صوت أنينٍ مكتوم ارهبها وزاد ذعرها تذكُرها حديث زميلتها بالأمس عن سماعها لأصوات تتوعدها بالموت في الظلام فأبيض وجهها وتصلب جسدها وهي تتراجع للخلف لتلتصق بالحائط، لتُجفلها صرخة كادت توقف قلبها:

- ِأبعدِي قدميكِ عني فأنا الظل أسفلك أتألم.

 

ودت لو تخترق الحائط لتفر بعيدًا عنه ولكنها تسلحت بآخر قبس من شجاعتها ورانت ببصرها إلى الأسفل بعيون جاحظة من الخوف لترى ظلًا ماثلًا أمامها فَهلعت وبدأت تقفز يمينًا ويسارًا ومِن مكان لآخر لتدفعه بعيدًا عنها، لتزداد صدمتها ما أن وقع بصرها عليه يشاركها القفز بغضب اتضح لها من صوت صياحه الهادر الذي صم أُذنيها بقوله:

- توقفي يا أنا توقفي عن إرهابي وإخافتي فأنا لا علم لي حقًا لِما تُصرين على تعذيبي بتلك القسوة؟

 

أوقف كلماته استمرارها بالقفز فتفجر غضبه منها ولم يجد أمامه إلا أن يمنعها بالقوة عن إيذائه فَمد ذراعيه وتشبث بساقيها يوقف قفزها، لِيدرك خطأه حين زاد تشبثه بها من هياجها وصياحها المجنون فأبعد مخالبه عنها وضغط أُذنيه يمنع صوتها الصارخ من تعذيبه، ومرت لحظات عليهما كادت تُميتها لتتجمد فجأة حين تضخم متأثرًا بعلو صُرخاتها وأخذت مخالبه تخمش الهواء حوله، فانهارت چَنى أرضًا تحتضن جسدها هربا من بطش ضرباته الهوجاء التي أصابتها بجروحٍ عدة لتراه ينهار مثلها يأن بصرير تألمها، ورجف قلبها بقوة كادت تخرجه من صدرها حين زَحف نحوها محدقًا بها بعيون مظلمة يَنهرها بقوله:

- كُفي صوتك عني وإلا أحرقتك.

 

تجمدت چَنى بِمكانها وأحست وكأن الزمن تجمد معها فأخذت تتلقف أنفاسها التي اِحتبستها بصدرها لتسمع زمجرته التي أوضحت لها أنه يصارع نفسه ليهدأ، وفجأة وكما تفجر غضبه هدأ ورأته أمامها منكمشًا بعدما تخلى عن غضبه وتوسلها بأنين مُعذب:

- لِما لم تستمعي لي يا چَنى وأنا أرجوكِ أن تكُفى، ألا تشعرين بعذابي وأنتِ بِقفزك تَطأِينني بقدميك بقسوة؟

 

شهق يتنفس واعتدل لِيباغتها بعتابٍ لين:

- أيعقل أن تضطهديني لأني طلبتُ منكِ ترك الضوء! لِما وأنا جَل ما أريده هو الراحة والنوم مثلك لذا كُنت أتوسل إليك لتهدئي.

 

تابعت تحديقها به بعيون متسعة لا تصدق أنها تستمع حقا إلى شبح ظل وهي لم تؤمن يومًا بوجود الأشباح، فَهنأت نفسها بسخرية لِجنونها الوشيك وأدركت إن استمرت على هذيانها فلن يصدقها أحد إن قصت عليهم ما خاضته في ليلة الرعب تلك، وبعد هُنيهة من شرودها انتبهت چَنى لاستمراره بالحديث فسمعته يقول:

- وأخيرًا نِلتُ هدوئك حسنًا أنا حقًا عاجزٌ عن شُكرك لتقديرك معاناتي.

 

سكن لوهلة وتألق بوميض ليضيف وهو يُبادلها النظرات:

- أتعلمين أني لا أصدق أني أخيرًا تحدثت إليك بعد مُعاناتي على يدك مرارًا وتكرارًا كل يوم بسبب إطفائكِ ذاك الضوء.

 

أشار نحو المصباح القريب منها وزفر بارتياح واستطرد قائلًا:

- حقًا أنا لا أصدق أني سأنعم بالسكينة والنوم بعد صحوة أيام.

 

وجم الظل فجأة فَأجفلت حين أشار إليها بمخلبه فبدا وكأنه يُنذرها بشرار عينه الذي ازداد توهجًا:

- انتبهي چَنى من تكرار خطئك ولا تنسي ما أخبرتكِ به لا تغلقي الضوء فأنا أخشى الظلام إذا حل.

 

لم تُدرك كيف تحرر صوتها من قيد خوفها لتسأله:

- انتظر لا تنم بعد فأنت لم تُخبرني بعد بهويتك، لذا أصدقني القول وأخبرني من أنت حقًا؟

 

أجابها وهو يقاوم نفسه حتى لا يغفو:

- أحقًا لا تعلمين من أنا؟

 

تمطى أمامها ليضيف متعجبًا:

- كُنتُ أظنكِ ستعلمين بهويتي فور أن يقع بصركِ علىَّ.

 

تعجبت چَنى من قوله فَاستجمعت شجاعتها وتجرأت ونظرت إليه فخُيل إليها أنه يبتسم بغموض فكادت تبادله الابتسام، ولكنه وئد ابتسامتها وبعثر هدوئها وجدد ذعرها رؤيتها له يتلوى على نحوٍ عجيب كالأفعى وتساءلت جنى كيف للظل التحرك وهي ساكنة ليُجيبها فحيح صوتٍ تبدد منه النوم:

- لا تحاري كثيرًا ولا ترهقي عقلك بالتفكير فأنا ظلكِ يا چَنى الذي تحرر منكِ يوم جلستِ بين الموتى داخل مشرحة المشفى.

 

أنهى الظل قوله واستأنف حركته مُبتعدًا عنها فانطلق من حلقها صُراخٍ رهيب حين بدأ ينسلخ منها كَـ جلدٍ ثان ويتجسد أمامها، فمدت يدها بوهن وتحسست جسدها وشخصت بعينها حين زحف نحوها واستطال بقامته ومد ذراعه لتخترق صدرها فأحست چَنى بقبضة من جمرٍ تلوي قلبها وتعتصر إياه وتباطأت أنفاسها فبدا وكأنه ينتزع الحياة منها رُغمًا عنها وبين هذيان عقلها وتلاشي أنفاسها تسلل هسيسه إلى سمعها يخبرها بظفر:

- أتذكرين ذاك اليوم وتلك الرجفة الجليدية التي تخللت جسدك ونخرت عظامك وقبضة قلبك والهمسة التي تردد صداها في ذهنك ذاك كنت أنا يا چنى.

 

حاولت چَنى التشبث بآخر أنفاسها التي تربطها بحياتها على قدر استطاعتها وهمهمت بصوتٍ كاد لا يسمع:

- لِما أنا؟ لِما وأنا لم أراك يومًا؟

 

اتسعت ابتسامته وهو يقترب منها حتى توقف على بُعد أنشٍ وأردفت باستمتاع:

- لأنني قدرك الذي اخترته وكتبتِ حروفي بأناملك وهمستِ باسمي بقلبك فأصبحتِ يومها مُلكي لهذا لن تجدي مني مفرًا والآن نامي وانعمي بي ودعيني أهنأ داخل جسدك بنومي. 

وأنهى قوله وهو يحيط بها كَـ عباءة حالكة السواد والتف حولها مُعتصرًا إياها بسكون.

 

منى أحمد حافظ

تعليقات

التنقل السريع